الغزالي
62
إحياء علوم الدين
وقال حاتم : من العبرة يزيد العلم ، ومن الذكر يزيد الحب ، ومن التفكر يزيد الخوف وقال ابن عباس : التفكر في الخير يدعو إلى العمل به ، والندم على الشر يدعو إلى تركه ويروى أن الله تعالى قال في بعض كتبه : إني لست أقبل كلام كل حكيم ، ولكن أنظر إلى همه وهواه ، فإذا كان همه وهواه لي ، جعلت صمته تفكرا وكلامه حمدا وإن لم يتكلم وقال الحسن : إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر ، وبالفكر على الذكر ، حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة وقال إسحاق بن خلف : كان داود الطائي رحمه الله تعالى على سطح في ليلة قمراء ، فتفكر في ملكوت السماوات والأرض وهو ينظر إلى السماء ويبكى ، حتى وقع في دار جار له . قال : فوثب صاحب الدار من فراشه عريانا وبيده سيف ، وظن أنه لص . فلما نظر إلى داود رجع ووضع السيف وقال : من ذا الذي طرحك من السطح ! قال ما شعرت بذلك وقال الجنيد : أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد ، والتنسم بنسيم المعرفة ، والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد ، والنظر بحسن الظن لله عز وجل . ثم قال : يا لها من مجالس ما أجلها ! ومن شراب ما ألذه ، طوبى لمن رزقه وقال الشافعي رحمه الله تعالى : استعينوا على الكلام بالصمت ، وعلى الاستنباط بالفكر . وقال أيضا : صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور ، والعزم في الرأي سلامة من التفريط والندم ، والروية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة ، ومشاورة الحكماء ثبات في النفس وقوة في البصيرة ، ففكَّر قبل أن تعزم ، وتدبر قبل أن تهجم . وشاور قبل أن تقدم . وقال أيضا : الفضائل أربع : إحداها الحكمة وقوامها الفكرة ، والثانية العفة وقوامها في الشهوة ، والثالثة القوة وقوامها في الغضب ، والرابعة العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس فهذه أقاويل العلماء في الفكرة ، وما شرع أحد منهم في ذكر حقيقتها وبيان مجاريها بيان حقيقة الفكر وثمرته اعلم أن معنى الفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة . ومثاله أن من مال إلى العاجلة ، وآثر الحياة الدنيا ، وأراد أن يعرف أن الآخرة أولى بالإيثار